‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
السبت، 9 أغسطس 2014

المرأة والمِرَاء وصندوق الاقتراع

(1) هوس التنسيء
لا يستهوني كثيرا الهوس بـ"تنسيء" كل شيء حولنا. فهذا أدب نسوي، وتلك فعالية نسائية، وذلكم إبداع نسواني، وهنالك ابتكار حوّائي، وكأن النساء في حرب مزمنة مع الرجال لا يرجى البُرء منها أبدا، وبناء على ذلك عليهن التكتل والتمترس والتحصن وإنشاء نسخة نسائية من كل شيء. ولا يشترط في هذه النسخة أن تضاهئ النسخة الرجالية جودة، بل يكفيها أنها نسائية، فهذا بحد ذاته إنجاز، بل وربما عند البعض إعجاز!
هذه العقلية المستشرية في العالم العربي سببها عقود طوال من التهميش والظلم للمرأة، لكن لا يُعقل أن تُستورد هذه العقلية حتى حين تُفتح المجالات للمرأة. اليوم، وقد اقتربت الانتخابات نرى هذه العقلية تسود لدى الكثيرات؛ فلا بد لكِ عزيزتي الناخبة من التصويت للنساء وإلا فأنتِ جاهلة جهولة جهِلَة جهّالة  جهيلة مجهالة وأم جهل أيضا، بل والسبب الرئيس في تقهقر وضع المرأة وانتشار الجهل الانتخابي! لكن ماذا إذا لم تقتنع الناخبة بأي من المرشحات في دائرتها؟ أو أنها اقتنعت لكنّها ترى أن فرصة هذه المرشحة ضعيفة وإهدار الصوت عليها سيمكن نواب فاسدين من الوصول، والأجدر بهذا الصوت أن يذهب لإصلاحي فرصته أفضل في الفوز؟

ثم، لماذا تصر المرأة على دخول البرلمان نائبة –وهذا حق مشروع بل وأمل مطلوب لا غبار عليه- وواقع الحال يقول أن الأمر يحتاج إلى فترة ليتحقق على الوجه المأمول؟ فالمجتمعات لا تتغير بجرّة قلم، إنما تتغير بالتحرك وبالحراك. إذن، ما هي الخيارات المتوفرة أمام المرأة لإيصال صوتها وهمومها؟ "ما لا يُدرك كله، لا يُترك كله"، على النساء أن يعرفن بدءًا كيف يكن ناخبات واعيات مؤثرات، وكيف يسطرن مطالبهن على أجندة المرشحين وكيف يحاسبنهم إن قصروا، أي أن يكنّ جماعة ضاغطة. وهذا الأمر لا يتحقق بأن تمنح المرأة صوتها إلا بناء على نقاشاتها وقناعاتها، لا بناء على أي معيار آخر. آمل على بنات جنسي أن يتخذن القرار الانتخابي السليم بناء على القوة والأمانة لا بناء على النسب أو المجاملات.

نعم، هناك مظالم ومغابن تواجه المرأة، لكن لا ولن تحل إذا ظلت المرأة تنظر للحياة بعين واحدة فقط. تشرنق المرأة وتركيزها على قضايا صغيرة يجعلها صيدا ثمينا للمرشحين الذين يجيدون صف العبارات والوعود. نعم، هناك هموم ومطالبات للمرأة متعلقة على سبيل المثال بإعادة النظر في نظام التأمينات الاجتماعية للمرأة غير المتزوجة، ووضع المرأة المتزوجة بغير كويتي، والرعاية السكنية، وغيرها كثير كثير. لكن لا يعقل أن يكون هذا أكبر الهم ومبلغ العلم، فنحن شريكات في بناء المجتمع لا مستنفِعات، لا نسعى وراء القوانين التي تمنحنها المزايا وحسب، بل نقلق على ما يقلق الوطن. لذا، إذا كانت المرأة تحاسب ممثلها في المجلس على قضايا شتى تخص المجتمع، هنا فقط يمكننا أن نقول أنه يمكنها أن تدعى أنها ناخبة مارست حقها. فالانتخاب ليس ورقة تلقى في الصندوق، بل هو الخروج خارج الصندوق لأفق أوسع. "الحضارة لا تحجل" كما يقال أي لا تقفز على رجل واحدة، وامتناع المرأة عن تقديم مساهمتها المجتمعية والحضارية باختيار واع في يوم الاقتراع، واكتفاؤها بالركون والمراوحة والمِراء في قضايا محدودة، مَضرَّة لا تفوقها مضرة إذا أنها بذلك لا تبادر لخير المجتمع وتقدمه، والتقدم لا ينتظر المتأخرين، فقطار النجاح والتنمية العالمي أضحى طائرة "كونكورد"، من لم يلحقها تخلف وتلف.
 


(2) الـ"كووتا"، مرة ثانية!

اليوم أيضا يعود الحديث مرة أخرى حول نظام الـ"كووتا" أو الحصص البرلمانية لإدخال المرأة إلى المجلس. ومع احترامي للمطالبين والمطالبات به، أنا شخصيا -وبغض النظر عن انحيازي الطبيعي لبنات جنسي- أرفضه، ولا أجد له تبريرا لا دستوريا ولا عقليا. فلماذا على المرأة أن تحصل على كل شيء على طبق من ذهب فقط لأنها تنتمي إلى الجنس اللطيف والناعم من نسل أبينا آدم عليه السلام؟ نعم، هناك مواقف تُعطى المرأة فيها خصوصية وحظوة على الرجال لكن دخول المجلس النيابي ليس منها. فأنا أقبل أن يتم تقديمي على الرجال الواقفين في طابور قبلي على اعتبار أنهم بشهامتهم أدركوا أنهم أقدر جسديا على احتمال الانتظار مني، لكني لا أقبل أن أحظى بمقعد في المجلس فقط لأني أحسن المرشحات دون أن أتنافس كتفا بكتف مع جميع المرشحين، فقد يكون هناك رجل اجتهد وهو أحق مني بهذا المقعد، فكيف أتقدم عليه فقط لأني امرأة؟! ثمّ أنّ العمل النيابي عمل سياسي، فكري، تواصلي، إعلامي، فهل المرأة برأيهم ورأيهن أقل عقلا من الرجل أو أقل مقدرة على العمل الإعلامي والتواصل مع الجماهير حتى نفرد لها مقاعد ترضية؟ إذا كانت ندا في الإنسانية وفي العقل فلم لا تتحمل هذه الندية وتتعب وتجتهد شأنها شأن الرجل؟ وكما أن حصول المرأة على حقها السياسي استغرق سنوات طوال، فليستغرق دخول أول امرأة إلى المجلس سنوات طوال أيضا، فهذا أفضل من العبث بالعدالة.

ولكي تقتنعوا، هبوا أن نظام تخصيص مقاعد للنساء أقر، وتم تخصيص مقعد لامرأة في كل دائرة من الدوائر الخمس. ولنفرض أن المرشح الذي حلّ في المركز العاشر حصل على عشرة آلاف صوت، فإنه سيتم أخذ أول تسعة من الرجال، وسيتم استبعاد هذا المرشح لصالح امرأة قد لا تكون حصلت حتى على ربع الأصوات التي حصل عليها، فقط لأنها حلت الأولى بين النساء المرشحات في الدائرة! لو سألتموني، أنا شخصيا لا أقبل أن أقدّم على من تعب أو له قبول أكثر مني. الـ"كووتا" ظلم للرجل، وأفضل أن يكون لدينا أقل قدر من الظلم على أن يكون لدينا قدر –قليل أو كثير- من التمثيل النسائي. عذرا بنات جنسي، لكنه الحق، لكنه المنطق.

"الفئة القليلة" التي غلبتنا!

"... كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ..."
هكذا يقول رب العزّة في كتابه العزيز، وهكذا يسجلّ التاريخ في "بدر"، وفي "الخندق" وفي غيرهما.
لكن أليس لافتا أن "الفئة القليلة" التي انتصرت –ميدانيا لا أخلاقيا- هم اليهود لا نحن! ألا يستدعي هذا التفكير؟ ألا يستجدي هذا البحث في الأسباب؟ وأنا هنا لا أتكلم عن أداء المقاومة في أحداث غزة الأخيرة، بل أستقرئ تاريخ صراعنا مع الصهاينة.

الإجابة بادية في قوله تعالى: "بإذن الله".
لكن لم إذن الله بنصرهم علينا ونحن أصحاب الحق؟!
أجل، إن الأمور إلا بإذن الله. والله لم يأذن لنا بل أذن لهم! فهو عزّ وجل لا يعاقبهم على كفرهم وجحودهم مرتين. فمتى ما استكملوا أسباب القوة الدنيوية انتصروا علينا. أما "النصر الخاص"، النصر الذي من عنده عزّ وجل، النصر الذي تتنزل فيه الملائكة تحارب وتنافح كتفا بكتف مع المؤمنين، النصر الذي يعيننا فيه الحجر والشجر فلم نستوفِ شروطه بعد!

اليهود لديهم اعتزاز غريب بمعتقدهم، ولا أدري هل أغبطهم عليه، أم أنه يجوز لي أن أحسدهم مثلا على اعتبار أنهم قوم حربيون. طالعوا وتمعنوا في هذا الشتات؛ بعضه من "فلاشا" إفريقيا، وبعضه من شرق أوربا. بعضه "أشكنازي" أرستقراطي، وبعضه "سفارديمي" كادح. بعضه يعتمر نجمة داوود السداسية في سلسلة على صدره أو على قلنسوته على هامته وبعضهم ينادي بالعلمانية. لكن كلهم يهتفون بتبجح أنهم شعب الله المختار وأن هذه أرضهم الموعودة، ومن لا يعجبه يمكنه أن يشرب من البحر! أجل من البحر، فالأنهار العذبة محجوزة لهم، فمخططهم هو "أرضك يا إسرائيل، من الفرات إلى النيل".
حتى العلمانيون؟ أجل حتى العلمانيون يرون أنهم هم الشعب المختار. المتدينون يسمونها دينا، والعلمانيون يسمونها تراثا مشتركا ودواعٍ لتوحيد الهوية. وفي النهاية كل الطرق تؤدي إلى القدس، عفوا، عفوا أقصد "أورشليم"!
نحن أيضا عندنا العقيدة ذاتها، نحن أيضا "خير أمة أخرجت للناس"، نحن أمّة الله المختارة. عندنا العقيدة ذاتها، لكن نسينا أن نستمسك بها ونعض عليها بالنواجذ. لهذا نصرهم الله، ولهذا أذلنا الله في "غزّة" حين أضعنا بوصلة العزّة!

غزّة، وكأن القلب:
قطاة "غزّها" شرك *** فباتت تجاذبه وقد علق الجناح
(والبيت لقيس بن الملّوح مع بعض التعديل)


سانحة:
في حين يتشاكى اليهود ويتباكون بشأن "الهولوكوست" (وأنا شخصيا أستنكر هذه المحرقة البغيضة)، لكن ها هم يحرّقون الفلسطينيين بما يمكن تسميته بالـ"باليكوست" Palecaust!
يُقال أن الذي يذوق الظلم، مُحال أن يذيقه غيرَه. فهل -يا أبناء عمنا الساميّين- نستنتج من ذلك أن الهولوكوست (محرقة اليهود) لم تكن حقيقة؟

ما شاء الله، متى أسلمت؟

كلا، "الموبايل" ليست لفظة تسللت إلى مفرداتنا اليومية، بل نحن من أدخلها من باب كبار الزوّار وفرش لها السجاد الأحمر، وحتى لو صدقنا الفرضية القائلة أنها "تسللت"، هل لدينا حَكَم يجرؤ أن يلتقم صفارته ويطردها من ملعب منطوقاتنا اليومية؟!
إذا كنا نظن أن معضلاتنا اللغوية هي معضلات تعريب، فنحن حتما بعيدون عن الصواب، وإذا كنا نظن أن مَجْمَع اللغة العربية -على علاّته وقلة فاعليته- هو السبب، وأن "نفضة" قوية لأركانه كفيلة بحل مشاكلنا كما حل مارد المصباح العجيب مشكلات علاء الدين، فنحن حتما واهمون!
فأنا للأسف -وكثيرون مثلي- لازلت أستخدم كلمة "تِلِفون" للدلالة على الهاتف الأرضي رغم أن كلمة هاتف كلمة ظريفة ورقيقة، وليس فيها أية أحرف صعبة، ولا يمكن التباسها مع شيء آخر إذ لا يوجد شيء آخر نسميه بالاسم ذاته، فلماذا لا أزال مصرة على تسميته بالتلفون؟ صحيح أنني حينما أكتب أكثر أحرص على استخدم هذه الكلمة، لكني في حياتي اليومية ورغم حماسي المطلق للغة العربية، فإني لا أجرؤ أن أسأل أصحاب محل أو مطعم عن رقم "هاتفهم" بل حتما سأقول "تلفونهم" وإلا سيظنون أني خرجت عليهم من إحدى حلقات برنامج "المناهل" الشهير.

وحينما جاء الهاتف النقال إلى وجودنا اليومي، شاعت لدينا في الكويت مثلا كلمة "النقّال"، وفرحت كثيرا شأني شأن غيري بوجود كلمة عربية لتقنية حديثة، صحيح أن اتفاقنا ألا نتفق أخرج لكل مجموعة دول عربية كلمة مختلفة مثل "الجوال" و"الخليوي" و"المحمول"، لكني كنت أرى هذا من باب التنوع المطلوب والمحبوب. صحيح أن هذا التنوع يؤدي إلى سوء الفهم، فالثلاجة لدى اللبنانيين هي مثلا "الفريزر" في حينا أنها لدى معظم العرب تعادل "البراد" لدى اللبنانيين، والبعض أقترح استخدام "الجمّادة" أو "المجمد" كحل وسط، لكن انتهى الأمر بنا جميعا إلى اعتماد كلمة "فريزر"! وبعض التنوع قد يكون مضحكا حقا، ففي الخليج "الحماة" هي أخت الزوج، فحين أنها في مصر مثلا والشام أم الزوج، ويمكنكم أن تتخيلوا رد فعل العربيات وإشفاقهن حين تقول لهم خليجية أنها ذهبت للسوق مع "حمواتها"! وطبعا لا تنسوا أننا في الكويت نسمي الشمَّام بطيخا، في حين أن البطيخ لدى كثير من العرب هو البطيخ الأحمر الذي نسميه بالرَّقِي. واللبنانيون يسمون البرتقال ليمونا، أما الليمون فيسمونه بالحامض.
وفي ليلة حالكة انتبهت أني أقول لزميلة لي "أرجو أن تعطيني رقم موبايلك"! هكذا، ودون خجل أو وجل اكتشفت أني استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير! ترصدت حولي وإذا بي أجد الكثيرين استغنوا عن كلمة "نقال" وصارت كلمة "موبايل" ضمن قاموسهم اليومي.
أليس ما بدر مني ومن غيري أمر جدير بالالتفات والتحليل؟ إذا كان لدينا هذه الثروة من الكلمات التي تدل على الأداة نفسها، لم وجدنا أنفسنا بعد فترة نستعمل الكلمة الأجنبية التي تعوزها في كثير من الأحيان الرشاقة؟ قد يقول البعض أن سوء الترجمة هو السبب، فعندما تقول لأحد أن عليه أن "يحفظ" قصيدة الشاعر فلان، فهل تعني أن يقوم بحفظها عن ظهر قلب، أم أن عليه أن يحفظها على ذاكرة حاسوبه (أو كومبيوتره)، وانتهي بنا المطاف أن نسبك الفعل "يسيّف" لنتخلص من الالتباس. وكذلك الأمر مع الفعل "اطبع"، فعندما يطلب المدير من سكرتيره (وهذه كلمة أجنبية دخلت من صالة كبار الزوار!)  أن "يطبع" له خطابا، فهل يريد المدير من السكرتير أن يكتب له الخطاب عبر لوحة الأزرار (typing) أم أنه يريد منه أيضا أن يطبع له نسخة ورقية  (printing)، وطبعا كالعادة انتهي به وبغيره المطاف أن يقول للسكرتير "اعمل لي 'برنت' من الخطاب" ليوفر على نفسه مؤونة فك الالتباس. ومثل ذلك الفعل "يصور"، فقد يستخدمه البعض دلاله على التصوير الفوتوغرافي أو على نسخ المستندات (photocopying). طبعا تعدد المعاني للكمة الواحدة وارد جدا في كل اللغات، لكن شاء الله أن تكون هذه الكلمات ذات معان متقاربة جدا، ولم ننجح نحن في سبك كلمات بديلة تفك الاشتباك.
رغم ذلك، أظن أن حالة الاستلاب الثقافي هي السبب الرئيس، فنحن نشعر بأن اللغة العربية أدنى مكانة، وأن المرء لكي يكون "كُول" يجب أن يطعم حديثة اليومي بمفردات أجنبية حتى ولو كان لا يستطيع أن يفرق بين حرفي ال p والـ b، فالمهم أن يبدو عصريا، وهذا كل شيء. حالة الصَغار اللغوي (واعذروني على هذه المصطلحات التثبيطية، لكنه الواقع) هي السبب، وإذا كنا نظن أن المشكلة مشكلة ترجمة، فنحن حتما واهمون. فما أكثر الكلمات المسبوكة والتي لا تجد من يتفضل عليها بالاستخدام ، وهاكم بعضها منها: مربض أو مرآب بدلا من "كاراج"، مُدخرة بدلا من البطارية وهي أصلا كلمة معربة وليست عربية، مِسلاط بدلا من "بروجيكتر"، لاقط الصوت أو لاقط بدلا من كلمة مايكروفون الثقيلة والتي لم نجمع عليها فبعض العرب يقولون "مايكرفون" نقلا عن الإنكليزية، والبعض الآخر يقولون "ميكريفون" نقلا عن الفرنسية، أو حتى "مجفف الشعر" بدلا من كلمة "سشوار" الثقيلة على اللسان والتي تخطئ نسبة من الناس في نطقها بل ويسمونها أحيانا "استشوار"! وغيرها كثير. نعم، قد تبدو الألفاظ مضحكة قليلا، لكن من قال أن كلمة مثل "بطّارية" ليست مضحكة وفجّة إذ تذكر السامع بالبطر وهو التكبر؟!
وإذا شعرتم بالملل من مقالتي الثقيلة وأردتم أن تضحكوا انظروا إلى كلمة "أدميرال" الأجنبية التي أصلها "أمير الرحل"، استوردناها بعد أن تفرنجت رغم أن الأصل لنا وصرنا نستعمل اللفظة الأجنبية. انظروا إلى "كحول" التي أصلها "الكحل" (وأصل التسمية جاء من كون الكحل مادة مركزة أساسية وكذلك هي المشروبات المسكرة التي تسمى بالروحية أحيانا)، أعدنا استيرادها مجددا بالصيغة الأجنبية ذاتها، لكن وحفاظا على ماء الوجه أبقيتها الحاء فيها لتصدح  بشيء من عروبتها. واضحكوا أكثر على كلمة "غيتار/جيتار/كيتار" التي لم نتفق على كيفية كتابتها لأننا لا نعلم قط أن الأجانب نقلوها عن الكلمة العربية "قيثار"، التي نقلناها بدورنا عن اليونانيين. الظريف أننا أورثنا الأوربيين كلمة Banan و Banana (المنقولة عن بنان بمعنى الإصبع/ الموز يشبه الإصبع) وصرنا نسميه "موزا" نقلا عن اللغة الهندية. وصرنا نقول "ترسانة" وهي كلمة تركية (ترسخانة) وتناسينا أن المقابل الإنكليزي لها Arsenal مأخوذ عن العربية "دار الصناع". ولا زلنا نفخر بأن كلمة Algebra مأخوذة عن الجبر، فيما نحار في نطق Algorithm (المحوّرة عن اسم الخوارزمي) هل هي لوغاريثمات أم لوغاريتمات أم جوريتمات متناسين أن اسمها الأصلي خوارزميات. آمل ألا يأتي يوم نقول فيه –رسيما- "زيرو" (المنقول عن الكلمة العربية صفر)، لأن حالنا سنكون حينها صفرا على الشمال.
المشهد الثقافي العربي يعوزه التحليل الصحيح، إذ أننا نفترض مثلا أن لدينا مشكلة في القراءة، وهذا غير صحيح، فنحن قوم قارئون نهمون، لكننا نقرأ الفناجين وكتب الطهي والأبراج وروايات "عبير" و"أحلام" و"زهور"، إي أننال نعرف القراءة، لكننا لا نعرف "كيف" نقرأ. وفي السياق ذاته، العربية ودود ولود في واقع قاحل عقور. ونحن قوم لدينا المقدرة على إنتاج العديد من الألفاظ الرشيقة والبليغة لتدل على المنتجات التي تشرئب علينا كل يوم، لكن تعوزنا الروح، وتعوزنا الثقافة، ويعوزنا الوعي كي نستخدمها في حياتنا اليومية دون أن ينفجر أحد في وجهنا ضاحكا من قولنا، أو يرفع حاجبيه متعجبا ويسأل فرحا: "ما شاء الله! متى أسلمت؟ وأين تعلمت اللغة العربية؟"

بوش و ريغان: الفولة التي انقسمت

يبدو أن هذين الرجلين يتشابهان جدا و ان اختلفا احيانا. فاولهما ممثل بحق في حين ان الاخر امضى الكثير في تعلم كيفية التمثيل او الاداء الجيد على الاقل. اولهما نجم "كاوبوي" سينمائي في حين أن الآخر يهوى التصرف على طريقتهم و تفكيرهم ايضا و لكن سياسيا هذه المرة . أولهما اخترع (حرب النجوم) ، أما الثاني فاخترع (الحرب على الإرهاب) . الفرق ان الاولى كانت ضد (الخطر الأحمر) أما الثانية فضد (الخطر الأخضر) رغم أن عصرنا هو عصر الشفافية ، و لمحبي الابيض و الاسود نصيب فان لم تكن في معسكر المع فانت بالضرورة في معسكر الضد .

كلاهما استخدم البعد الديني. فالاول يرى بأنه لا يمكنك الوثوق بالاتحاد السوفياتي ، فمن لادين له لا صدقية له اما ثانيهما فله صلات وثقى بالمعمدانيين و اتخذ من "بيلي غراهام" مرشدا روحيا . اولهما رأى (إمبراطورية للشر) و الاخر رأى (محورا للشر) قابلا للاتساع .

حب الصغير لسلفه المحتذى دفعه ليجيء بطاقم استورد الكثيرين فيه من ايام الأول. و إن كان للأول السبق في إنشاء (وزارة قدامي المحاربين)، فالآخر أيضا ابتكر (وزارة الأمن القومي). غني عن الذكر أن كليهما عزيز على جمعية السلاح الوطنية NRA و بالتأكيد الشركات النفطية ، و هل ننسى محاولة الاخير المستميتة في استيراد مشروع الدفاع الصاروخي من عهد الاول . الفرق هو ان عهد الاول شهد تزاوجا بين الرفاه الاقتصادي و البذخ العسكري ، في حين ان تابعه لم يكن له ذات الحظ مع عثرات "انرون " و "وورلد كوم " و "ارثر اندرسن".

هل يكون الاستنساخ السياسي النوستالجوي أمرا واقعا فتكون (الريغانية الجديدة) هي مبدأ بوش الجديد ؟
هل ينتقل الاستنساخ الى عالم السياسة؟ لم لا؟ من قال أن الفولة لا تنقسم إلى نصفين؟

ويسالونك عن الاحتفال المؤجّل

. المسلّمات أم الإنجازات؟


يسألونني "ألا تحتلفين بقرب مرور شهرين على ذكرى مايو وقد أسقمتنا بمقالاتك ونقيقك حول حقوق المرأة السياسية؟"

أقول، هل نحتفل بالمسلمّات أم بالإنجازات؟ هل نحتفل لأن حقًا مؤجلا جاء أخيرًا بعد طول انتظار أم نحتفل لأن انجازًا برز من هذا الحق ولأن مسؤولية حُملت كما ينبغي؟ أخشى كل ما أخشى أن يتحول حصول المرأة على حقوقها السياسية إلى حال شبيهة بكحال كثير من أخواتها العربيات؛ ذر للرماد في العيون، و"ديكور" يُتفاخر به حين الملمات. أخشى أن يتحول الحصول على الحقوق السياسية إلى أكبر الهم ومبلغ العلم، أن يتحول إلى غاية يركن إلى الكسل من بعدها بدلا من أن يغدو وسيلة لرفع المظالم وتحقيق دور موازن. نعم سأحتفل، سأحتفل حين يتغير قانون الأحوال الشخصية، وحين تحصل المرأة على الرعاية السكنية بشكل أصيل، وحين يتغيّر قانون الجنسية إزاء المتزوجة بغير كويتي وغيرها من الإجحافات. حين ذا سأحتفل بشدة.



2. المصاححة لا المحاصصة


يقلقني كثيرا مطالبة البعض بنظام تخصيص مقاعد للنساء(Quota كووتا وتنطق خطأ كوتا) وأقل ما يقال في هذه المطالبة أنها تنم عن عن إحساس لا شعوري بأن النسوة سيفشلن، وبالتالي وقطعا لذلك تمت المبادرة بهذا المقترح حفظا لماء وجه النساء.

كما أن الشرفاء من أخواننا المرشحين يعانون من الواسطة وشراء الاصوات والقبلية وغيرها من الطعنات التي تتلقاها خاصرة ديموقراطيتنا، فإن على المرأة أن تمر بما يمر به أخوها. ومن بين التحديات التي ستواجها - وعليها أن تثبت جدارتها أمامها - هي عدم تقبل البعض لها. أما السير وراء هذا الاقتراح سيتحوّل بنا الأمر إلى نظام"محاصصة" وسيطالب البعض بحصة تخصص لنواب أعمارهم بين 30-35 بما أن هذه الفئة القريبة من الشباب غير ممثلة بشكل جيد في البرلمان، وسيطالب البعض الآخر بمجموعة مقاعد لنواب يرتدون البزات لأن البرلمان يسوده لابسو الدشاديش، ولا تستغربوا من مطالبة البعض الآخر بمقاعد لنواب يقل تعليمهم عن المرحلة الثانوية!
ليست هذه هي المنقصة الوحيدة لنظام المحاصصة، فتحوله إلى مسكّن للألم أدهي وأمر. لأن المرأة من خلاله تتجاوز العقبات التي تواجهها بالقفز فوقها وليس بحلها، وهذا يعني أن أنماط التفكير تجاه المرأة هي هي. لا نعوز المحاصصة، بل نعوز العمل والعافية والمصاححة من أجل دور إيجابي للمرأة.




3. ظاهره الرحمة وباطنه العذاب


لا أحد سيزعجه من أن تلتزم المرشحة للبرلمان بالشريعة الإسلامية، لكن السؤال ألن تنزعج المرشحة الملتزمة دينيًا إذا وصلت البرلمان ووجدت أن القانون لا يلزم زملائها بالالتزام بالشريعة الإسلامية بدورهم والغض من البصر على سبيل المثال؟ هذا الشرط باطنه الرحمة لكنّ ظاهره العذاب والإقصاء. قضية برسم مجلس الأمة، والواصلين والواصلات إليه علّه يعدّل في اللائحة الداخلية للمجلس التي من الجميل أن تضاف لها بنود تضمن احترام الطرفين لبعضهما البعض وحماية أي طرف قد يتاذى وتنتهك حقوقه.

التصويت على الحميّة كالقتل على الهويّة، لا فرق!

حين يصير التصويت قتلا
أثناء الحروب غير النبيلة يشيع ما يسمى بـ"القتل على الهويّة" حيث تكون هوية الشخص وانتماؤه سببا كافيا لقتله. أما في الحراكات السياسية النبيلة فلا يجوز أن نستنسخ المبدأ ذاته، فما أراه طوال هذه السنوات هو أننا ننزع للتصويت على الحميّة. الطباق بين العبارتين "القتل على الهوية" و"التصويت على الحميّة" ليس طباقا لغويا وحسب، بل طباق في النتيجة، فكلاهما قتل. الأول قتل وإفناء جسدي، أمّا الثاني فقتل للروح الخيّرة التي نفخها الله فينا حيث نخنقها بخيارات غير منطقية فقط من أجل اعتبارات اجتماعية، وقتل بطيء بعيد المدى للوطن وحجود قبيح.

أعلم أن النسيج الاجتماعي في الكويت قوي ومحكم، أعلم. لكن، هل يعقل أن يكون أقوى من صوت الحق؟ حسنٌ، إذا كان ما يحدث لا يشعركم بالمسؤولية الأخلاقية ولا بالسوء من أنفسكم، فلا يمكنني توجيه كلامي إليكم لأنه قد لا يكون له اعتبار، لكني أوجهه لأولئك الذين يعلمون أن الله استخلفهم على الأرض للإصلاح فيها، وحمّلهم مسؤوليات سيُسألون عنها يوم السؤال. لأولئك فقط أوّجه كلامي، أوّجه كلامي لـ"من ألقي السمع وهو شهيد".



"العرضحالجيون" قادمون؟
"العرضحالجي" شخص يجيد الكتابة يلجأ له الأميّون المتقاضون ليكتب عرائضهم نيابة عنهم و"يعرض حالهم" على المحكمة، وهل يحق لنا أن نلوم الأميّ؟ لكن يحق لنا أن نلوم من يلبس ثوب الأميّ وهو أبعد ما يكون عنه، فينتخب نائبا ليعمل "عرضحالجيا" ومخلّصلا للمعاملات. هذا العام، اسأل مرّة أخرى: العرضحالجيون، أهم قادمون؟



الشرنقة و"دلع الفتيات"
بعد سنوات من نقيقي –وزميلاتي- المستمر حول الموضوع، حصلنا على حقوقنا السياسية ولله الحمد وتحقق أحد البنود على قائمة الأمنيات الخاصة بي. حسنٌ، ما الخطوة القادمة؟ سيصرخ البعض "الكووتا" أو نظام المحاصصة. يؤسفني أن أخيّب ظنّكم أعزائي وعزيزاتي، لكن لا شيء أفضل من الإنصاف. فكما أن على الرجل المرشح لمجلس الأمة أن يعاني، على المرأة المرشحة أن تعاني، وعليها أن تواجه ما يواجه حتى لو عنى هذه ألاّ نرى امرأة في مجلسنا، فالمجتمعات لا تتغيّر بجرة قلم وإذا لم نكن راغبات وقادرات على تغيير الصورة النمطية، وعلى انتزاع حقوقنا بأنفسنا، ستكون هذه كارثة حقًا. على المرأة أن تتعلم أن تستقل، وتتابع، وتفكر، وتناقش، وتخرج من شرنقتها، أما دعاوى المحاصصة، فلا تعيروها اهتماما رجاءً، فليست سوى "دلع فتيات"!

المرأة والمِرَاء وصندوق الاقتراع

(1) هوس التنسيء
لا يستهوني كثيرا الهوس بـ"تنسيء" كل شيء حولنا. فهذا أدب نسوي، وتلك فعالية نسائية، وذلكم إبداع نسواني، وهنالك ابتكار حوّائي، وكأن النساء في حرب مزمنة مع الرجال لا يرجى البُرء منها أبدا، وبناء على ذلك عليهن التكتل والتمترس والتحصن وإنشاء نسخة نسائية من كل شيء. ولا يشترط في هذه النسخة أن تضاهئ النسخة الرجالية جودة، بل يكفيها أنها نسائية، فهذا بحد ذاته إنجاز، بل وربما عند البعض إعجاز!
هذه العقلية المستشرية في العالم العربي سببها عقود طوال من التهميش والظلم للمرأة، لكن لا يُعقل أن تُستورد هذه العقلية حتى حين تُفتح المجالات للمرأة. اليوم، وقد اقتربت الانتخابات نرى هذه العقلية تسود لدى الكثيرات؛ فلا بد لكِ عزيزتي الناخبة من التصويت للنساء وإلا فأنتِ جاهلة جهولة جهِلَة جهّالة  جهيلة مجهالة وأم جهل أيضا، بل والسبب الرئيس في تقهقر وضع المرأة وانتشار الجهل الانتخابي! لكن ماذا إذا لم تقتنع الناخبة بأي من المرشحات في دائرتها؟ أو أنها اقتنعت لكنّها ترى أن فرصة هذه المرشحة ضعيفة وإهدار الصوت عليها سيمكن نواب فاسدين من الوصول، والأجدر بهذا الصوت أن يذهب لإصلاحي فرصته أفضل في الفوز؟

ثم، لماذا تصر المرأة على دخول البرلمان نائبة –وهذا حق مشروع بل وأمل مطلوب لا غبار عليه- وواقع الحال يقول أن الأمر يحتاج إلى فترة ليتحقق على الوجه المأمول؟ فالمجتمعات لا تتغير بجرّة قلم، إنما تتغير بالتحرك وبالحراك. إذن، ما هي الخيارات المتوفرة أمام المرأة لإيصال صوتها وهمومها؟ "ما لا يُدرك كله، لا يُترك كله"، على النساء أن يعرفن بدءًا كيف يكن ناخبات واعيات مؤثرات، وكيف يسطرن مطالبهن على أجندة المرشحين وكيف يحاسبنهم إن قصروا، أي أن يكنّ جماعة ضاغطة. وهذا الأمر لا يتحقق بأن تمنح المرأة صوتها إلا بناء على نقاشاتها وقناعاتها، لا بناء على أي معيار آخر. آمل على بنات جنسي أن يتخذن القرار الانتخابي السليم بناء على القوة والأمانة لا بناء على النسب أو المجاملات.

نعم، هناك مظالم ومغابن تواجه المرأة، لكن لا ولن تحل إذا ظلت المرأة تنظر للحياة بعين واحدة فقط. تشرنق المرأة وتركيزها على قضايا صغيرة يجعلها صيدا ثمينا للمرشحين الذين يجيدون صف العبارات والوعود. نعم، هناك هموم ومطالبات للمرأة متعلقة على سبيل المثال بإعادة النظر في نظام التأمينات الاجتماعية للمرأة غير المتزوجة، ووضع المرأة المتزوجة بغير كويتي، والرعاية السكنية، وغيرها كثير كثير. لكن لا يعقل أن يكون هذا أكبر الهم ومبلغ العلم، فنحن شريكات في بناء المجتمع لا مستنفِعات، لا نسعى وراء القوانين التي تمنحنها المزايا وحسب، بل نقلق على ما يقلق الوطن. لذا، إذا كانت المرأة تحاسب ممثلها في المجلس على قضايا شتى تخص المجتمع، هنا فقط يمكننا أن نقول أنه يمكنها أن تدعى أنها ناخبة مارست حقها. فالانتخاب ليس ورقة تلقى في الصندوق، بل هو الخروج خارج الصندوق لأفق أوسع. "الحضارة لا تحجل" كما يقال أي لا تقفز على رجل واحدة، وامتناع المرأة عن تقديم مساهمتها المجتمعية والحضارية باختيار واع في يوم الاقتراع، واكتفاؤها بالركون والمراوحة والمِراء في قضايا محدودة، مَضرَّة لا تفوقها مضرة إذا أنها بذلك لا تبادر لخير المجتمع وتقدمه، والتقدم لا ينتظر المتأخرين، فقطار النجاح والتنمية العالمي أضحى طائرة "كونكورد"، من لم يلحقها تخلف وتلف.
 


(2) الـ"كووتا"، مرة ثانية!

اليوم أيضا يعود الحديث مرة أخرى حول نظام الـ"كووتا" أو الحصص البرلمانية لإدخال المرأة إلى المجلس. ومع احترامي للمطالبين والمطالبات به، أنا شخصيا -وبغض النظر عن انحيازي الطبيعي لبنات جنسي- أرفضه، ولا أجد له تبريرا لا دستوريا ولا عقليا. فلماذا على المرأة أن تحصل على كل شيء على طبق من ذهب فقط لأنها تنتمي إلى الجنس اللطيف والناعم من نسل أبينا آدم عليه السلام؟ نعم، هناك مواقف تُعطى المرأة فيها خصوصية وحظوة على الرجال لكن دخول المجلس النيابي ليس منها. فأنا أقبل أن يتم تقديمي على الرجال الواقفين في طابور قبلي على اعتبار أنهم بشهامتهم أدركوا أنهم أقدر جسديا على احتمال الانتظار مني، لكني لا أقبل أن أحظى بمقعد في المجلس فقط لأني أحسن المرشحات دون أن أتنافس كتفا بكتف مع جميع المرشحين، فقد يكون هناك رجل اجتهد وهو أحق مني بهذا المقعد، فكيف أتقدم عليه فقط لأني امرأة؟! ثمّ أنّ العمل النيابي عمل سياسي، فكري، تواصلي، إعلامي، فهل المرأة برأيهم ورأيهن أقل عقلا من الرجل أو أقل مقدرة على العمل الإعلامي والتواصل مع الجماهير حتى نفرد لها مقاعد ترضية؟ إذا كانت ندا في الإنسانية وفي العقل فلم لا تتحمل هذه الندية وتتعب وتجتهد شأنها شأن الرجل؟ وكما أن حصول المرأة على حقها السياسي استغرق سنوات طوال، فليستغرق دخول أول امرأة إلى المجلس سنوات طوال أيضا، فهذا أفضل من العبث بالعدالة.

ولكي تقتنعوا، هبوا أن نظام تخصيص مقاعد للنساء أقر، وتم تخصيص مقعد لامرأة في كل دائرة من الدوائر الخمس. ولنفرض أن المرشح الذي حلّ في المركز العاشر حصل على عشرة آلاف صوت، فإنه سيتم أخذ أول تسعة من الرجال، وسيتم استبعاد هذا المرشح لصالح امرأة قد لا تكون حصلت حتى على ربع الأصوات التي حصل عليها، فقط لأنها حلت الأولى بين النساء المرشحات في الدائرة! لو سألتموني، أنا شخصيا لا أقبل أن أقدّم على من تعب أو له قبول أكثر مني. الـ"كووتا" ظلم للرجل، وأفضل أن يكون لدينا أقل قدر من الظلم على أن يكون لدينا قدر –قليل أو كثير- من التمثيل النسائي. عذرا بنات جنسي، لكنه الحق، لكنه المنطق.

"الفئة القليلة" التي غلبتنا!

"... كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ..."
هكذا يقول رب العزّة في كتابه العزيز، وهكذا يسجلّ التاريخ في "بدر"، وفي "الخندق" وفي غيرهما.
لكن أليس لافتا أن "الفئة القليلة" التي انتصرت –ميدانيا لا أخلاقيا- هم اليهود لا نحن! ألا يستدعي هذا التفكير؟ ألا يستجدي هذا البحث في الأسباب؟ وأنا هنا لا أتكلم عن أداء المقاومة في أحداث غزة الأخيرة، بل أستقرئ تاريخ صراعنا مع الصهاينة.

الإجابة بادية في قوله تعالى: "بإذن الله".
لكن لم إذن الله بنصرهم علينا ونحن أصحاب الحق؟!
أجل، إن الأمور إلا بإذن الله. والله لم يأذن لنا بل أذن لهم! فهو عزّ وجل لا يعاقبهم على كفرهم وجحودهم مرتين. فمتى ما استكملوا أسباب القوة الدنيوية انتصروا علينا. أما "النصر الخاص"، النصر الذي من عنده عزّ وجل، النصر الذي تتنزل فيه الملائكة تحارب وتنافح كتفا بكتف مع المؤمنين، النصر الذي يعيننا فيه الحجر والشجر فلم نستوفِ شروطه بعد!

اليهود لديهم اعتزاز غريب بمعتقدهم، ولا أدري هل أغبطهم عليه، أم أنه يجوز لي أن أحسدهم مثلا على اعتبار أنهم قوم حربيون. طالعوا وتمعنوا في هذا الشتات؛ بعضه من "فلاشا" إفريقيا، وبعضه من شرق أوربا. بعضه "أشكنازي" أرستقراطي، وبعضه "سفارديمي" كادح. بعضه يعتمر نجمة داوود السداسية في سلسلة على صدره أو على قلنسوته على هامته وبعضهم ينادي بالعلمانية. لكن كلهم يهتفون بتبجح أنهم شعب الله المختار وأن هذه أرضهم الموعودة، ومن لا يعجبه يمكنه أن يشرب من البحر! أجل من البحر، فالأنهار العذبة محجوزة لهم، فمخططهم هو "أرضك يا إسرائيل، من الفرات إلى النيل".
حتى العلمانيون؟ أجل حتى العلمانيون يرون أنهم هم الشعب المختار. المتدينون يسمونها دينا، والعلمانيون يسمونها تراثا مشتركا ودواعٍ لتوحيد الهوية. وفي النهاية كل الطرق تؤدي إلى القدس، عفوا، عفوا أقصد "أورشليم"!
نحن أيضا عندنا العقيدة ذاتها، نحن أيضا "خير أمة أخرجت للناس"، نحن أمّة الله المختارة. عندنا العقيدة ذاتها، لكن نسينا أن نستمسك بها ونعض عليها بالنواجذ. لهذا نصرهم الله، ولهذا أذلنا الله في "غزّة" حين أضعنا بوصلة العزّة!

غزّة، وكأن القلب:
قطاة "غزّها" شرك *** فباتت تجاذبه وقد علق الجناح
(والبيت لقيس بن الملّوح مع بعض التعديل)


سانحة:
في حين يتشاكى اليهود ويتباكون بشأن "الهولوكوست" (وأنا شخصيا أستنكر هذه المحرقة البغيضة)، لكن ها هم يحرّقون الفلسطينيين بما يمكن تسميته بالـ"باليكوست" Palecaust!
يُقال أن الذي يذوق الظلم، مُحال أن يذيقه غيرَه. فهل -يا أبناء عمنا الساميّين- نستنتج من ذلك أن الهولوكوست (محرقة اليهود) لم تكن حقيقة؟

مصارف المعارف

مخطئون أولئك الذين يرون أن شيئا آخر غير الجاسوسية قد يكون أقدم مهنة في التاريخ، فالجاسوسية - بمعنى التوق إلى المعرفة والسعي لها لا بمعنى اختراق خصوصيات الآخر، فالعرب تقول جاس أي استقصى وبحث - ترتبط بالنفخة التي من روح الله التي هي فينا، وتحمل بالتالي الصفات التي أوجب الله وجودها فينا كي يتحقق دورانا التعبدي والاستخلافي، السعي وراء المعرفة، رغم أننا جميعا وبالفطرة باحثون عن الحقيقة أو جواسيس! هل يمكن لإنسان أن يحيا دون أن يسأل ويجوس بحثا عن إجابات؟ أبدا، إننا نقتات المعلومات أدركنا أو لم نفعل. السؤال المشروع يفرض نفسه هنا: أليست كل الكائنات تجمع معلومات عن بيئتها حتى تبقى وتتكيف؟ فما المميز في الأمر عندنا؟ نحن - معشر البشر - لا نكتفي بالبياناتdata ، وهي ملاحظات أولية عما حولنا، أو حتى المعلومات information، وهي مرحلة أعلى يتم فيها تجميع كم من البيانات المتفرقة والربط بينها وتحليلها، بل نرتفع إلى نقطة أسمى وهي المعرفة knowledge، فيما تكتفي بقية الكائنات بالبيانات أو المعلومات وحسب. وبالمثال يتضح المقال: فعندما يقول لك أحدهم عبارة مفادها "عمر الشريف" ويسكت، فإن للعبارة مدلولا ما سواء أكنت تعرف من هو عمر الشريف أم لا. لكنك حتما ستتوقع من الشخص أن يكمل حديثه رغم أن عبارته مفهومة، السر وراء توقعك هذا هو أن عبارته هذه هي "بيانة" أو datum لها مدلول في حد ذاتها، لكن لا يمكنك أن تتخذ بناء عليها قرارا. لكن عندما يقول لك الشخص "عمر الشريف مثّل فيلم لورنس العرب"، فإنك قد تقول له "شكرا على المعلومة"، أو ستقول "أدري، إنها معلومة قديمة". لاحظ أنه بإضافة "بيانة" أو أكبر نتج لدينا معلومة. مجموع المعلومات هذا هو ما يكون المعرفة، والفرق بين الشخص المتخصص وغير المتخصص هو أن الأول لديه معرفة أما الآخر فلديه معلومات متناثرة، فالمعرفة مرحلة أسمى وأعقد لا تصاب إلا بالتحصيل المتواصل. وسواء ظللنا تحت سقف المعلومات أم صعّدنا إلى المعرفة فإن لكل منها ثمنا، أي أنها سلعة، فالصحيفة التي تبتاعها كل يوم سلعة معلوماتية، ومثلها دليل الهاتف، واستشارة الطبيب والمعلومات التي يمدك بها دليلك السياحي، كلها لها قيمة سوقية، وهي بالتالي سلع شأنها شأن الأراضي أو الملابس أو السيارات. المعرفة قوة، واحتجاز المعلومات واحتكارها قوة أيضا، أولم يقولوا قديما - وحديثا أيضا - "السكوت من ذهب"؟، أما الحديث والإفصاح فمن فضة، فالمعلومات أو المعرفة إن غدت مشاعة بين فئة أكبر توزعت هذه القوة وتلاشت هيبتها بين الأفراد. على ذكر "الذهب"، ألم يقل الله تعالى (وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذهَبَ وَالْفِضةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة:34)، كم هو قبيح أن نكنز ذهب المعرفة في عقولنا والبقعة التي نعيش فيها ترزح في الجهل والعشوائية. في رؤوسنا ثروات معلوماتية، فهل أدينا زكاتها؟ فلنترك عنا فزع الفقد، ولنشارك بشيء من ذهب المعارف فهي صفقة رابحة ولا شك، فالمال إن وهبته لا يعود، لكن تشاركك بشيء من معارفك ـ بعكس السلع المادية ـ لن يفقدك إياها بل سينشرها في حين تحتفظ بها في ذات الوقت. أليس هذا سبب وجيه أن تؤدي الزكاة على ما اكتنزه عقلك؟. تجسسوا ولا تيأسوا فهذه فطرتنا، لكن بالله عليكم في رؤوسنا مصارف معارف، هلا أدينا زكاتها؟

المكتبة والمقرأة والشفةالمكتبة والمقرأة والشفة

أليس من الغريب أن يسمى المكان الذي تمارس فيه القراءة أو يسعى لها مكتبة عوضا عن مقرأة؟ قد يقول قائل إن السبب هو كونها تحتضن الكتب، لكن هذا مردود عليه، فصياغة اسم المكان على وزن \'\'مفعلة\'\' تقتضي أن نشاط المكان هو الكتابة لا عرض الكتب لأن الجذر الذي اعتمد عليه هو كتب، يكتب. لماذا لم تسمَ مقرأة إذا؟ أحد الأسباب هو كون المقرأة تستخدم للمكان الذي يستعمل لترتيل قراءة القرآن الكريم وحفظه، وهذا عذر مشروع لعدم استخدام الكلمة، لكن رويدا، فإذا كان المقرأة والمكتبة لدينا جاءتا في زمن متقارب مع تباشير الإسلام، لم سميت المكتبة مكتبة والمقرأة مقرأة، فالقرآن الكريم هو الكتاب الأجدر بالقراءة والتفكر والتأمل فلم لم تسم أماكن قراءته بالمكتبات؟ إذا عدنا إلى تكوين ثقافة العرب نجد أنها كانت ومازالت ويبدو أنها ستظل شفهية بصورة لافتة ومثيرة للقلق في آن. ولولا الإسلام لظللنا أميين نعتمد على الذاكرة الفردية المتناقلة وما أقل موثوقيتها. أحسن وسيلة لقياس ورصد هذه النزعة الشفهية تكمن في الأمثال؛ فيقال في المثل العامي "العلم في الراس مش في الكراس"، بينما تقول أمم أخرى العكس Don't say it, but write it لا تقلها، بل اكتبها." الأمثلة لا تنتهي، ألم تلاحظوا أننا العرب ونظراءنا في الدول الثالثة نميل إلى الثرثرة أكثر من غيرنا؟ الأمر طبيعي، فكلما قل المستوى الثقافي زادت نزعة الثرثرة والتخاطب الشفهي، ثم أليست الثرثرة من الوصوم التي تلصق بالنساء؟ إنها محصلة طبيعية كونهن يتلقين حظا أقل من عمليات التحديث الثقافي، وهي عملية لا ترتبط بالتعليم بالضرورة. أصلحوا الثقافة وسيصلح معها البيان. هذه الثقافة الشفهية - أينما وجدت - ترى أن القراءة هي ذاتها الكلام! وهذا صحيح، ألم يقل الله عز وجل للمصطفى "اقرأ"، كثير من المفسرين يرون أن اقرأ هنا بمعنى رتّل أو قل، وأبسط دليل حيث تطلب من أحد أن "يقرأ عليك" سورة كذا أو المعلقة الفلانية فإنه سيرتلها أو يسردها عن ظهر قلب ولن يقرأ من مصدر مكتوب لأن نسيج الثقافات الشفهية يرى أن لا قراءة إلا قراءة اللسان. طبعا كون القرآن الكريم استعمل القراءة بمعناها الشفهي هذا لا يعني أنه أمر للتمسك بذلك، بل هو مجرد بيان للحال وتوافق مع البيئة التي نزل فيها وعندها، وما أجمل فهم الصحابة رضوان اللهم عليهم وتابعيهم لأمر، فازدهرت المكتبات والتوثيقات في عصورهم رغم شوائب ثقافة الشفة. وطالما استمرت هذه الشفاهية، وطالما ظللنا ننظر إلى القراءة أنها القراءة بالشفة لا القراءة من مصدر مكتوب، سنظل نعامل المكتبات أنها مستودعات لتكديس أوعية ورقية - أو حتى إلكترونية - يرجع لها حال الاضطرار الدراسي، أما المرجعيات المعلوماتية فتؤخذ من شفة أبي فلان، ومن المقهى، ومن فني تصليح السيارة لا من مرجعياتها المعتمدة، للأسف. لا شيء أكثر لفتا من تخلفنا "المكتبي" سوى فوضى المصطلحات لدينا، فمكتبة تستخدم كمرادف للـlibrary وهي المكان الذي تتوافر فيه الكتب وغيرها من أوعية المعرفة للقراءة والاستعارة وغالبا ما تكون غير هادفة للربح، و للـ bookstore وهي المكتبات التي تبيع الكتب أو بتعبير أدق "متاجر الكتب"، وللـ stationary shop أو محلات القرطاسية ففي الثقافة الشفهية لا فرق بينهما فكلها أكداس من قراطيس!، و للـ bookcase وهي أرفف الكتب التي توجد في المنازل مثلا. وما بين "تكديس" أوعية المعرفة و"تقديس" ثقافتنا الشفهية، وما بين المكتبة والشفة، مزالق كثيرة.